أحمد بن محمد مسكويه الرازي
10
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ولمّا كان موضوع علم الأخلاق البحث في حال النفس ، وهي أشرف الموجودات بسبب جوهرها المجرّد ، الذي يتناسب مع أنفس الملائكة من هذه الجهة ، وقد أفاض اللّه عز وجل المعلومات ، والأسماء الدّالة على المسميات على أول بشر خلقه من خلقه ، وجعله خليفة في أرضه ، ولم يعلمهما ملائكته المقرّبين ، لما في ذلك من عدم الضرورة الداعية إلى تعليمهم إيّاها ، لتجرّدهم عن ماديّات هذا العالم ، وكشافته ، ولأنهم منزّهون عن معنى المشاركة في المصالح الأرضية التي تستلزم المزاحمة وهي بلا شك ، تقتضي وجود صناعة ذات أصول ، وقواعد لتربية الأنفس ، بحيث تجعلها صالحة للبحث في أحوال الموجودات على وجه يضمن الإعتدال في الطلب ، ويسير بكل نفس إلى ما أعدّت له وتهيّأت إليه . هذه الصناعة التي حلّت في المحل الأول من الأنبياء والمرسلين ، ثم انقلبت في الملوك العادلين والسلاطين الصالحين ، كانت سببا لنظام العالم وتدبير مصالح الخلق على اختلاف في الغايات ، وتفاوت في المشارب ، وتباعد في الاستعداد ، وتباين في التهيّؤ والقابليّة ، والتي تجعل العدل شعارا ، والرحمة دثارا ، لا يمكن أن يعبّر عنهما بغير صناعة الأخلاق . الرغبات والصراعات النفسيّة هناك رغبات وتيارات متضادة ومتصارعة في داخل الإنسان ، بعضها مفيد ، وإن كان في الظاهر متعبا أو مضرّا ، والبعض الآخر مضر ، وإن كان بحسب الظاهر لذيذا ومريحا . يقول القرآن الكريم : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ